محمد بن جرير الطبري

88

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أن يقال : إن الله تعالى أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألته ذلك ربه . وإنما قلنا ذلك للخبر الذي روينا بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهل التأويل من بعدهم غير من انفرد بما ذكرنا عنه . وبعد ، فإن الله تعالى لا يخلف وعده ولا يقع في خبره الخلف ، وقد قال تعالى مخبرا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم حين سأله ما سأله من ذلك : إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ، وغير جائز أن يقول تعالى ذكره إني منزلها عليكم ، ثم لا ينزلها ؛ لأن ذلك منه تعالى خبر ، ولا يكون منه خلاف ما يخبر . ولو جاز أن يقول : إني منزلها عليكم ، ثم لا ينزلها عليهم ، جاز أن يقول : فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ثم يكفر منهم بعد ذلك فلا يعذبه ، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة ، وغير جائز أن يوصف ربنا تعالى بذلك . وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة ، فأن يقال : كان عليها مأكول ، وجائز أن يكون كان سمكا وخبزا ، وجائز أن يكون كان ثمرا من ثمر الجنة ؛ وغير نافع العلم به ولا ضار الجهل به إذا أقر تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ وهذا جواب من الله تعالى القوم فيما سألوا نبيهم عيسى مسألة ربهم من إنزاله مائدة عليهم ، فقال تعالى ذكره : إني منزلها عليكم أيها الحواريون فمطعكموها . فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ يقول : فمن يجحد بعد إنزالها عليكم وإطعامكموها منكم رسالتي إليه وينكر نبوة نبيي عيسى صلى الله عليه وسلم ويخالف طاعتي فيما أمرته ونهيته ، فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من عالمي زمانه . ففعل القوم ، فجحدوا وكفروا بعد ما أنزلت عليهم فيما ذكر لنا ، فعذبوا فيما بلغنا بأن مسخوا قردة وخنازير . كالذي : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ الآية ، ذكر لنا أنهم حولوا خنازير . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الوهاب ومحمد بن أبي عدي ، ومحمد بن جعفر ، عن عوف ، عن أبي المغيرة القواس ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : إن أشد الناس عذابا ثلاثة : المنافقون ، ومن كفر من أصحاب المائدة ، وآل فرعون . حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، عن عوف ، قال : سمعت أبا المغيرة القواس يقول : قال عبد الله بن عمرو : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة : من كفر من أصحاب المائدة ، والمنافقون ، وآل فرعون . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ بعد ما جاءته المائدة ، فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ يقول : أعذبه بعذاب لا أعذبه أحدا من العالمين غير أهل المائدة . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ يقول تعالى ذكره : يوم يجمع الله الرسل ، فيقول ماذا أجبتم ، إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ؟ وقيل : إن الله قال هذا القول لعيسى حين رفعه إليه في الدنيا ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قال : لما رفع الله عيسى ابن مريم إليه ، قالت النصارى ما قالت ، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك ، فسأله عن قوله ، ف قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ إلى قوله : وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وقال آخرون : بل هذا خبر من الله تعالى ذكره عن أنه يقول لعيسى ذلك في القيامة . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قال : والناس يسمعون ، فراجعه بما قد رأيت ، وأقر له بالعبودية على نفسه ، فعلم